اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

246

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« . . . . . . . . . . . . . . . * ولست واللّه حقا عارفا نسبى إذ لست أعرف جدى حق معرفة * وكيف أعرف جدى إذ جهلت أبى إني أبو لهب شيخ بلا أدب * نعم ووالدتي حمالة الحطب » وكنيته أبو الريحان غير واضحة بدورها 7 ، كما وأن نسبه مجهول تماما . أما اسمه محمد بن أحمد فلا يفاد منه شئ البتة ، بل جرت العادة على استعمال هذه الأسماء عندما تكون الأسماء الحقيقية غير معروفة . ومهما يكن مدلول أبيات الشعر هذه فإن لغته الوطنية كانت الخوارزمية 8 ، وتأتّى له أن يتلقى تعليما جيدا دعمته أسفاره العديدة وتجواله وتعطشه الشديد إلى المعرفة الذي ألهب مشاعره منذ سن مبكرة . ومندسن مبكرة أيضا اتجه اهتمامه إلى نواح من العلم لم تكن معهودة للدارسين في العصور الوسطى الإسلامية ، ويروى أنه عاش بخوارزم إذ ذاك عالم يوناني فكان يختلف إليه البيروني حاملا أنواع النبات والبذور والثمار يسأله عن أسمائها اليونانية ويدوّن ذلك 9 . وقد لفت وهو لا يزال شابا أنظار رعاة الأدب في دولة بنى عراق المحلية الصغيرة ، ولكنه لم يلبث أن اضطر عقب إحدى الانقلابات إلى مغادرة وطنه وهو في سن العشرين ، فرحل إلى سواحل بحر قزوين . وفي جرجان التقى بأكبر أساتذته وهو الطبيب والفلكي المسيحي أبو سهل عيسى المسيحي ؛ وهناك أيضا تمتع بعطف أمير جرجان وطبرستان قابوس بن وشمكير الزيارى 10 ، الذي اكتسب بدوره بعض الشهرة كناثر وآخذ في العلم بطرف 11 ؛ وإليه رفع البيروني أول مصنفاته الكبرى وهو « الآثار الباقية » . ويبدو أن ميل هذا الحاكم إلى الطغيان جعل الحياة عسيرة ببلاطه ، الأمر الذي تردد صداه في أشعار متأخرة للبيرونى . وإلى هذا الوقت المبكر من حياته العلمية ترجع أيضا الرسائل التي تبادلها مع معاصره الأصغر منه سنا ابن سينا الذي طبقت شهرته الآفاق فيما بعد ؛ وهي تقف دليلا - - على عمق معرفته بالفلسفة وعلى حدة مزاجه 12 . وفي حوالي عام 400 ه - 1010 رجع إلى موطنه حيث كانت تتولى مقاليد الحكم أسرة المأمونيين التي ما لبثت أن وجدت نفسها بين شقى الرحى ، تتهددها دولتان قويتان هما دولة ايلكخانات سمرقند ودولة محمود الغرنوى التي كانت تنمو بسرعة متزايدة . ولم يلبث البيروني أن تقاذفته الدسائس والمؤامرات السياسية ، فلما احتل محمود الغزنوي خوارزم أخذ البيروني معه إلى غزنة عام 408 ه - 1018 بوصفه عنصرا لا يطمأن إليه . ولا تكاد تخلو مصنفانه المتأخرة بأجمعها من الشكوى المرّة لما يلاقيه العلم من سوء التقدير ولمصيره الشخصي الذي انتهى إليه هو نفسه 13 . وليس في الاستطاعة النفاذ إلى جوهر شكايته ، فهي بالنسبة لظروف ذلك الزمان كثيرا ما وردت على هيئة إشارات غامضة . ويبدو أن البيروني ظل طوال ذلك الوقت مراقبا من محمود الذي كان لا يثق فيه ، ومن ثم فقد اضطر البيروني دائما إلى البقاء إلى جانبه بل ومصاحبته في حملاته العسكرية دون أن يتمتع بحرية التنقل ، وقد عرف البيروني في هذه الفترة شظف العيش ولم تكن الأجهزة والوسائل العلمية في متناول يده حتى يستطيع متابعة أبحاثه . ورغما عن هذا فقد وضع